أحمد بن محمد القسطلاني

430

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

الجواز لكن مع الكراهة لكونه صلّى على نجاسة ، ولو كان بينهما حائل ، وهذا مذهب الشافعية أولاً كراهة لكونه صلّى مع الفرش على النجاسة مطلقًا كما قاله القاضي حسين ، وقال ابن الرفعة : الذي دلّ عليه كلام القاضي أن الكراهة لحرمة الميت أما لو وقف بين القبور بحيث لا يكون تحته ميت ولا نجاسة فلا كراهة إلاّ في المنبوشة فلا تصح الصلاة فيها . قال في التوشيح : ويستثنى مقبرة الأنبياء فلا كراهة فيها لأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم ، وأنهم أحياء في قبورهم يصلّون ، ولا يشكل بحديث : ( لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) لأن اتخاذها مساجد أخص من مجرد الصلاة فيها ، والنهي عن الأخص لا يستلزم النهي عن الأعم ، قال في التحقيق : ويحرم أن يصلّي متوجهًا إلى قبره عليه الصلاة والسلام ، ويكره إلى غيره مستقبل آدميّ لأنه يشغل القلب غالبًا ، ويقاس بما ذكر في قبره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سائر قبور الأنبياء - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ولم يرَ مالك بالصلاة في المقبرة بأسًا ، وذهب أبو حنيفة إلى الكراهة مطلقًا ، وقال في تنقيح المقنع : ولا تصحّ الصلاة تعبدًا في مقبرة غير صلاة الجنازة ولا يضرّ قبران ولا ما دفن بداره . 427 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ فَذَكَرَتَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : « إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ . فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » . [ الحديث 427 - أطرافه في : 434 ، 1341 ، 3873 ] . وبه قال : ( حدّثنا محمد بن المثنى ) بالمثلثة ثم فتح النون المشددة ( قال : حدّثنا يحيى ) بن سعيد القطان ( عن هشام ) هو ابن عروة ( قال : أخبرني ) بالإفراد ( أبي ) عروة ( عن عائشة ) رضي الله عنها ولابن عساكر عن عائشة أُم المؤمنين . ( أن أُم حبيرة ) رملة بنت أبي سفيان بن حرب ( وأم سلمة ) هند بنت أبي أمية رضي الله عنها ( ذكرتا ) بلفظ التثنية للمؤنث ، وللمستملي والحموي ذكرا بالتذكير ولعله سبق قلم من الناسخ كما لا يخفى ( كنيسة ) بفتح الكاف أي معبد للنصارى ( رأينها بالحبشة ) بنون الجمع على أن أقل الجمع اثنان أو على أنه كان معهما غيرهما من النسوة ، ولأبي ذر والأصيلي رأتاها بالمثناة الفوقية بضمير التثنية على الأصل ، وفي رواية رأياها بالمثناة التحتية ( فيها تصاوير ) أي تماثيل ، والجملة في موضع نصب صفة لكنيسة ، ( فذكرتا ذلك للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فقال : إن أولئك ) بكسر الكاف لأن الخطاب لمؤنث وقد تفتح ( إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات ) عطف على قوله كان وجواب إذا قوله ( بنوا على قبره مسجدًا وصوّروا فيه تيك الصور ) بكسر المثناة الفوقية وسكون التحتية ، كذا في رواية الحموي والكشميهني كما في الفرع ، وعزاها في الفتح للمستملي ، وفي رواية أبي ذر وابن عساكر كما في الفرع تلك باللام بدل المثناة التحتية . ( فأولئك ) بكسر الكاف وقد تفتح ( شرار الخلق عند الله يوم القيامة ) بكسر الشين المعجمة جمع شر كبحر وبحار ، وأما أشرار فقال السفاقسي : جمع شر كزند وأزناد ، وإنما فعل سلفهم ذلك ليتأنسوا برؤية تلك الصور يتذكروا أحوالهم الصالحة ليجتهدوا كاجتهادهم ، ثم خلف من بعدهم خلف جهلوا مرادهم ووسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها فعبدوها ، فحذر عليه الصلاة والسلام عن مثل ذلك سدًّا للذريعة المؤدية إلى ذلك . أما مَن اتخذ مسجدًا في جوار صالح وقصد التبرك بالقرب منه لا للتعظيم له ولا للتوجه إليه فلا يدخل في الوعيد المذكور . ورجال هذا الحديث بصريون ، وفيه التحديث بالجمع والإخبار بالإفراد والعنعنة ، وأخرجه المؤلّف أيضًا في هجرة الحبشة ، ومسلم في الصلاة وكذا النسائي . 428 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : " قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ أَعْلَى الْمَدِينَةِ فِي حَىٍّ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، فَأَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ وَمَلأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ ، حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ ، وَأَنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلإٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ فَقَالَ : يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا . قَالُوا : لاَ وَاللَّهِ لاَ نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللَّهِ . فَقَالَ أَنَسٌ : فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ : قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ ، وَفِيهِ خَرِبٌ ، وَفِيهِ نَخْلٌ . فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ ، ثُمَّ بِالْخَرِبِ فَسُوِّيَتْ ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ . فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الْحِجَارَةَ ، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَهُمْ وَهُوَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ لاَ خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ الآخِرَهْ . . . فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ وبه قال : ( حدّثنا مسدد ) هو ابن مسرهد ( قال : حدّثنا عبد الوارث ) بن سعيد التميمي ( عن أدب التياح ) بفتح المثناة الفوقية وتشديد التحتية آخره مهملة يزيد بن حميد الضبعي ( عن أنس ) وللأصيلي أنس بن مالك ( قال ) : ( قدم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المدينة فنزل أعلى ) وللأصيلي في أعلى ( المدينة في حي ) بتشديد الياء قبيلة ( يقال لهم بنو عمرو بن عوف ) بفتح العين فيهما ( فأقام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيهم أربعة عشرة ليلة ) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر في نسخة أربعًا وعشرين ، وصوب الحافظ ابن حجر الأولى . قال : وكذا رواه أبو داود عن مسدد شيخ المؤلّف فيه ، ( ثم